محمد متولي الشعراوي
28
تفسير الشعراوي
والحقيقة هي التي رواها لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال : ( ما نقص مال من صدقة ) « 1 » والصدقة هي التي تكثر المال وتضع فيه البركة فيزداد وينمو . . والمال هو مال اللّه ينتقل من يد إلى يد في الدنيا . . ثم يموت الانسان ويتركه . . ولكن إبليس يستغل غفلة الناس عن هذه الحقيقة ليدفعهم إلى المال الحرام . . فإذا كان الانسان متشددا من ناحية المال . . جاءه من ناحية المرأة فيظل يزين له امرأة خليعة . . يوسوس له حتى يسقط في الزنا . . وإن كان قويا في هذه النواحي كلها . . زين له إبليس الخمر أو مجلس السوء أو النميمة . . المهم أن إبليس يظل يدور حول نقط الضعف في الانسان ليسقطه في المعصية . ولذلك فإن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، إنما تجعل اللّه سبحانه وتعالى يقوى نقط الضعف فيك . فلا يستطيع الشيطان أن ينفذ إليك وأنت تقرأ القرآن ليضع في رأسك هواجس تلهيك عن هذه القراءة . . ذلك أن عطاء اللّه في القرآن الكريم يساوى بين جميع الخلق . . فعطاء القرآن متساو ولكن كل انسان يأخذ على قدر ايمانه . . فالقرآن يقرأ والناس تسمع . ولكن هل يتقبل الجميع القرآن تقبلا متساويا ؟ نقول لا . . فقد قال اللّه سبحانه وتعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 16 ) ( سورة محمد ) أي أن القرآن لم يؤثر فيهم . . ولكنه أثر في المؤمنين الذين استمعوا اليه مصداقا لقوله جل جلاله : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) ( سورة فصلت )
--> ( 1 ) رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ، وتتمة الحديث : « وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه » .